•  
  •  
  •  
  •  
  •  

يحتاج الإنسان  حقا إلى الترفيه في عصر الضغوطات فهو يزيل القلق ويشرح النفس و يملؤها بالبهجة والسرور . و ربما كانت  جولة في ريف  من الأرياف مغنية  عن المدينة  و ملاهيها.
أتيحت لي فرصة لزيارة  أرياف عين دراهم .
ما إن  وصلت  حتى توغلت  هنا و هناك .. أجول ببصري  ذات اليمين و ذات الشمال..
و على مرأى  العين مروج اكتست حلّة من زرابي  الأقحوان و امتدّت أشجار باسقة  في شموخ و على الربى ممالك الأزهار ..
على نغمات  كأنها الهمس سمعت خرير المياه العذبة و هي تنساب  رقراقة جذلاء تبعث الحياة في النبات ..
هي أجمل ما رأيت ..
لا شيء أروع  من الوقوف على مشهد  طبيعي و لا متعة  تضاهي  تأمل  إبداع الخالق   في الفضاء الطبيعي الرحب..
أعجبني ما رأيته و زادني لهفة لمواصلة السير. وما إن التفت إلى اليسار حتى ظهرت  منازل متفرقة  خيّل إليّ أنها ممالك السلاطين رغم بساطة البناء ..
يا لحظّ أهل الريف دأبهم النشاط و الحيوية يتسللون مع خيوط الفجر الأولى يؤنسهم صياح الديكة المبشّر بيوم جديد حافل بالأمل..
يسعون نحو حقولهم نساء و رجالا  ينحنون على أرضهم فترى في انحناءاتهم حنوّ أم على رضيع..
قلوبهم مفعمة بالأمل و الطيبة، راضون بالموجود، يتحدّون شدائد المناخ و الطبيعة  وينعمون بجمالها وخيراتها..
و بفضل هذه الشمائل الطيبة  لدى الكبار و الصغار تشدّك مشاهد الصبية و هم يحتضنون محافظهم وهم يسيرون بين الأعشاب والأزهار الى المدارس، مما بحول المشقة الى    رونق و الصعوبة الى بهجة..
كلما امتد بصري تأملت أكثر.. و تملّكني سلطان الريف و أحسست دنيا جديدة لم أحسها من قبل.. دنيا بعيدة عن الضوضاء و البهرج.. لا أسمع إلا أهازيج الرجاء والأمل تنبعث من الطيور المغردة التي تغرّد في أعالي الشجر..
أما خرير الماء فهو سمفونية ذات وقع جميل على المشاعر.. أليس الماء سبب كل شيئ ؟ تقدمت بضع خطوات حتى تراءى لى رجلا يبدو في العقد الرابع من عمره يملأ كفه بذارا ثم يأخذ ينثر البذار ذات اليمين و ذات الشمال و عيناه إلى الأرض تتفقدان ما وزعه على سطحها فأحسست صعوبة الأعمال الموجودة في الريف فلا مجال للراحة و لا مجال للكسل . كل يسرع نحو عمله تملأهم الحيوية و النشاط .و على بعد أمتار فوق هضبة تراصت حجارتها و تلاحم عشبها تراءى  الراعي العجوز يقود جيشا من البقر و الغنم حريصا على عدم إضاعتها.. و لا عجب في ذلك فكل  خروف  أو  عجل  يولد يمثل جانبا من أمله في الحياة لنفسه و لمن هم أمانة في عنقه..
و بينما كنت على تلك الحال حتى سمعت حوارا دار بين مجموعة من الفلاحين يتفقون على زيارة حقل الزيتون . فأخذت أتبع خطواتهم لاستكشاف ما يخفيه هذا المكان أكثر مما اكتشفته . و ما إن وصلت الحقل حتى توغلت في أرجائه و حولي موكب طرب من الأحلام و الأوهام .. و مشيت تحت ظلال أشجاره المتراصة و كأنها مجموعة من الجنود اللتي تؤدي فرضا من فروضها .. واصلت جولتي الممتعة بين أرجائها فشممت رائحة زكية تنبثق من داخل مكان مهدم فانطلقت نحوه مهرولة طالبة المعرفة . فاكتشفت أنهاامرأة لا تتجاوز العقد الثالث من عمرها تحضّر خبز  الطابونة  كلها حزم و نشاط  وابنها بجوارها ينتظرها لأخذ الخبز و و بيعه في السوق . أدخلت يدي الى جيبي  أخرجت دينارا أعطيتها اياه طالبة منها خبزة واحدة .لكنها فاجئتني بارجاع النقود قائلة:
– ألست ضيفتنا و من واجبنا اكرام الضيف .
شكرتها و أحسست بأنّ الحياة هناك رائعة لا مثيل لها . كل يساعد الآخر لا مكان  في الريف لمن لا يلقي التحية الصباحية و المسائية على جاره .. حقا انها لحياة صفيّّّّّة و نقيّة.
ولكن سرعان ما رحلت الشمس واتنشر غمام قرمزي و مرّت السّاعات و كأنها دقائق لم أشعر بها.
عدت الى المنزل كلّي شوق لاعادة زيارتي لذلك المكان لاكتشاف مالم تتح لي الفرصة لاكتشافه. حقا لقد عشقت الريف وشجره.  فقد كان ولا يزال مصدر الهام الشعراء ينمي مواهبهم  و كوامنهم و هو ملجأ من صخب المدينة و ضجيجها لذلك كلّما رمنا تجديدا أو ترويحا عن النفس لدرء الملل لن نجد فضاء أرحب من الريف.

أسماء ترمان